الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
143
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الإقبال على طاعة اللّه والتضرع إليه ليقدّر للناس أسباب الفرح ، ويدفع عنهم أسباب الحزن وإنما جرى ذكر هذا في هذا المقام لمناسبة أن الجزاء الأوفى لسعي الناس : بعضه سارّ لفريق وبعضه محزن لفريق آخر . وأفاد ضمير الفصل قصرا لصفة خلق أسباب الضحك والبكاء على اللّه تعالى لإبطال الشريك في التصرف فتبطل الشركة في الإلهية ، وهو قصر إفراد لأن المقصود نفي تصرف غير اللّه تعالى وإن كان هذا القصر بالنظر إلى نفس الأمر قصرا حقيقيا لإبطال اعتقاد أن الدهر متصرف . وإسناد الإضحاك والإبكاء إلى اللّه تعالى لأنه خالق قوتي الضحك والبكاء في الإنسان ، وذلك خلق عجيب ولأنه خالق طبائع الموجودات التي تجلب أسباب الضحك والبكاء من سرور وحزن . ولم يذكر مفعول أَضْحَكَ وَأَبْكى لأن القصد إلى الفعلين لا إلى مفعوليهما فالفعلان منزلان منزلة اللازم ، أي أوجد الضحك والبكاء . ولما كان هذا الغرض من إثبات انفراد اللّه تعالى بالتصرف في الإنسان بما يجده الناس في أحوال أنفسهم من خروج أسباب الضحك والبكاء عن قدرتهم تعين أن المراد : أضحك وأبكى في الدنيا ، ولا علاقة لهذا بالمسرة والحزن الحاصلين في الآخرة . وفي الاعتبار بخلق الشيء وضده إشارة إلى دقائق حكمة اللّه تعالى . وفي هذه الآية محسن الطباق بين الضحك والبكاء وهما ضدان . وتقديم الضحك على البكاء لأن فيه امتنانا بزيادة التنبيه على القدرة وحصل بذلك مراعاة الفاصلة . وموقع هذه الجملة في عطفها مثل موقع جملة وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى [ النجم : 40 ] في الاحتمالين ، فإن كانت مما شملته صحف إبراهيم كانت حكاية لقوله : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [ الشعراء : 80 ] . [ 44 ] [ سورة النجم ( 53 ) : آية 44 ] وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ( 44 ) انتقل من الاعتبار بانفراد اللّه بالقدرة على إيجاد أسباب المسرة والحزن وهما حالتان لا تخلو عن إحداهما نفس الإنسان إلى العبرة بانفراده تعالى بالقدرة على الإحياء والإماتة ،